السيد فاضل علوي عبدالعزيزموضوع و رأي

هكذا كان علي بن أبي طالب (ع).. بهذا استحق التنصيب فـي عيد الغدير

بقلم : سيد فاضل علوي

من أين يبدأ الحديث عن علي بن أبي طالب وأين ينتهي؟ أيبدأ من لحظة ولادته فـي أعظم بيوت الله (البيت الحرام) أم ينتهي بشهادته فـي بيت آخر من بيوت الله-أعني مسجد الكوفة ؟

أيبدأ من أسبقيته للإسلام قبل غيره وهو بعدُ فـي ريعان شبابه؟ أيبدأ من تاريخه الجهادي الطويل فـي سبيل إعلاء كلمة لا إله إلا الله محمد رسول الله وتفديته بنفسه لأجل ذلك كله؟ أم هل يبدأ بإصراره الشديد على الحق حتى عز صحبه ولم يترك له الحق صديقا؟ أم يبدأ بصبره على ظُلامة وديعة رسول الله عنده؟ أم غصبه حقه؟ أم يا تُرى بعلمه، تقواه، ورعه، حِكمِه، أحاديثه، بلاغته، فصاحته، أدعيته ومناجياته..الخ. يا تُرى بما يبدأ ومن أين يبدأ؟

سيدي يا أمير المؤمنين، الذين تحدثوا عنك، وكتبوا فـيك، رست بهم سفنهم إلى مرافىء الإقرار بالعجز والكلل، بعد أن جابت بهم بعضًا من بحار شخصيتك وقِسمًا من عُباب فضائلك، وأنّى لهم المسير فـي ذلك؟

لا نُبالغ يا سيدي إذا قلنا أنّا قُصارى جهدنا أن نبلغ بعضًا من بعض ما أنت عليه، فلا كلماتنا المحددة برسم الحروف وضيق المعاني قادرةٌ على أن تختزل عملاق الإسلام بين تضاعيف السطور وطيات الورق وثنايا اللسان!

لكننّا يا ابن أبي طالب نستذكر فـي هذه اللحظات من ذكرى تنصيبك بالولاية أنك الوحيد الذي ولد بالكعبة المشرفة، وأن أعظم الخلق رسول الله (ص) قد وضعك فـي حجره، وأنك أول الناس إسلاما برسالته، وأنك الأشجع من بين المسلمين، الذي كانت قريش تحسب لك كل حساب، وأنك الذي جعلك رسول الله أخًا له حينما آخا بين المسلمين، وأنك الذي شاركت فـي كل غزوات النبي عدا تبوك امتثالاً لأمر قائدك، وأنك زوج الزهراء ووالد الحسن والحسين، وأنك الخليفة بعد الرسول بنص السماء ورسولها، وأنك الذي أيام خلافتك قاتلت ناصرًا لله ورسوله ببسالة الناكثين فـي الجمل و القاسطين فـي صفـين والمارقين فـي النهروان، وأنك لم تسجد لصنم قط، وأنك الذي جُمعت فـي صفاتك أضدادٌ من زُهدٍ وحكم، وحلم وشجاعة، ونُسك وفتك، وفقرٍ وجود.

كان كُلك لله ومع رسوله جهادًا وصبرًا وتضحيةً وفداء بالنفس، فكان سيفك عمود خيمة الإسلام، وكان آخرون لا يُريدونك كذلك؛ فأوجزت لهم القول: «ليس أمري وأمركم واحدًا، إنني أريدكم لله وتريدونني لأنفسكم»، فلم تنزل لأهواء أنفسهم ورغباتها، وإنما أردت لهم أن يرتفعوا لعليائك وسمو ذاتك، فالقائد يرفع أتباعه ومُريديه، وهكذا كنت وهكذا يجب أن نكون اقتداءً وتأسيًا بك..

لقد كُنت الأعبد والأورع والأتقى والأزهد، وكانت الخلافة الإسلامية المترامية الأطراف تحت إمرتك، حتى عندما انقطع نعلك، وقد كنت تخصفه بيدك، أشار لك أحد أصحابك (ابن عباس) بتركه لبعض معاونيك فلا قيمة له؛ فأسرعت له الجواب: « إنها- أي النعل، أعظم من إمرتكم هذه إلا أن أُقيم حقًا أو أدفع باطلاً»، فلم تكن نظرتك للخلافة سوى أنها أداةٌ لإقامة الحق ودفع للباطل، فلا تسلط ولا توزيع للمال والمناصب على هذا وذاك، ولكن الناس بعد أن جربوا الخيارات الأخرى رجعوا إليك مُضطرين حتى بتعبيرك «لقد وطئ الحسنان، وشق عطفاي، مجتمعين حولي كربيضة الغنم، فلما نهضتُ بالأمر نكثت طائفة، ومرقت أخرى، وقسط آخرون، كأنهم لم يسمعوا كلام الله حيث يقول: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علوا فـي الارض ولا فسادًا والعاقبة للمتقين) بلى والله لقد سمعوها ووعوها، ولكنهم حليت الدنيا فـي أعينهم، وراقهم زبرجها.

وحتى عندما تقدم لك بعضٌ من (الناصحين) بالتفريق فـي العطاء بين الأشراف من العرب وقريش والموالي، بادرتهم قائلاً: « أتأمرونّي أن أطلب النصر بالجور فـيمن وُليت عليهم؟».
أنت يا سيدي من قلت صابرًا على غصب حقك: « لأسالمن ما سلمت أمور المسلمين؛ ولم يكن بها جورٌ إلا عليَ خاصة»؛ فلقد رأيت أن المصلحة العليا للمسلمين تقتضي عدم فتح معركة على الخلافة – وهي حقك- ما دامت أمور المسلمين تسير فـي ظاهرها بخير.

مولاي يا مولاي…إننا نعتقد أنك حقٌ مبين ومخالفوك فـي ضلال مبين ولاريب.
لا أُريد أن أطيل على شيعتك الحديث أكثـر؛ ولكنك يا سيدي حيرت العقول والألباب، فأعداؤك طمسوا فضائلك حسدًا، و أولياؤك أخفوا مناقبك خوفًا؛ فظهر ما بين ذين وذين ما ملاء الخافقين.
نسأل الله العلي العظيم أن يُثبتنا على صراط علي وآله مهما ادلهمت الخطوب واشتدت الكروب يا رب يا علام الغيوب، وأن يوفقنا للإقتداء بهم والسير على نهجهم تحت قيادة إسلامية رسالية بصيرة وحكيمة وشجاعة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى
× تواصل معنا